ابن الحسن النباهي الأندلسي

196

المرقبة العليا فيمن يستحق القضاء والفتيا ( تاريخ قضاة الأندلس )

كالذي جرى ليحيى بن معمر بقرطبة مع أصحابه ، إذ الناس ناس والزمان زمان . ولم يثبت إذ ذاك مع الطّنجالي أحد من القوم غيري ، وغير الخطيب أبي عبد اللّه بن حفيد الأمين ، فتأمّلت ، أثناء ما دار بيننا من الكلام في الموطن ، وجه صاحبنا القاضي ؛ فإذا هو على هيئة المتخشّع ، لمفارقته المألوف قبل من أئمّة الخطّة ، وتكاتف الحاشية ، وترادف الوزعة ، فتذكّرت عند ذلك الحكاية التي نقلها الحسن بن محمد بن أبي محمد بن أسد ، وقد أثبتها ابن بشكوال أيضا في « صلته » ، وهي أنّ السلطان كان قد تخيّره لقراءة الكتب الواردة عليه بالفتوح بالمسجد الجامع من قرطبة على الناس ، لفصاحته ، وجهارة صوته ؛ فتولّى له ذلك مدّة قوّته ونشاطه ؛ فلمّا بدن ، وتثاقل ، استعفاه ؛ فأعفاه ، ونصب سواه . فكان يقول عند ذكره الولاية والعزل : « ما وليت لبني أميّة ولاية قطّ غير قراءة كتب الفتوح على المنبر ، فكنت أنصب فيه ، وأتحمّل الكلفة دون رزق ولا صلة . ولقد كسلت منذ أعفيت عنها ، وخامرني ذلّ العزلة » . ولم تكن نفس الخطيب أبي عبد اللّه المستعفى عن القضاء بتلك المنزلة الموحدة ؛ ولكنّه « 1 » ظهر لي إذ ذاك ، لأجل ما تخيّلت من انفعاله ، أن كتبت له ، عند حلوله بمنزله ، بالأبيات المثبوتة بعد على جهة التسلية ، والتغبيط بالتخلية . والمنظوم هو ما نصّه « 2 » : [ الطويل ] لك اللّه يا بدر السعادة والبشر * نشرت بأعلى راية الفخر « 3 » ولا سيّما لمّا وليت أمورها * فروّيتها من عذب نائلك الغمر ودارت قضاياها عليك بأسرها * على حين لا بد يمين على بشر « 4 » فقمت بها خير القيام مصمّما * على مثل تصميم المهنّدة السمر « 5 »

--> ( 1 ) في الأصل : « ولكنّه » . ( 2 ) بعض الأبيات في نفح الطيب ( ج 5 ص 390 ) . ( 3 ) في نفح الطيب : « يا بدر السماحة . . رفعت بأعلى رتبه راية . . » . ( 4 ) رواية عجز البيت في نفح الطيب هي : على حين لا برّ يعين على برّ ( 5 ) رواية عجز البيت في نفح الطيب هي : على الحقّ تصميم المهنّدة البتر